خطبة
عند دخولنا في عام ميلاديّ جديد
30.12.2021يَا أَيِّهَا الْمُسْلِمُونَ الْكِرَامَ،
نَحْنُ عَلَى وَشَكِ الدُّخُولِ فِي عَامٍ مِيلَادَيٍّ جَدِيدٍ. وَلَا شَكَّ أَنَّ مِنْ أعْظَمَ مَا خَلَقَهُ اللَّهُ تَعَالَى هُوَ الزَّمَان. اَلزَّمَانُ مُدَّةٌ نَعِيشُ فِيهَا وَنَتَعَرَّفُ عَلَى وُجُودِهَا بِمُرُورِهَا. وَانْتِهَاءُ يَوْمٍ وَشَهْرٍ وَسَنَةٍ أَمْرٌ عَظِيمٌ بِلَا شَكّ. فَإِنَّ كُلَّ مَرْحَلَةٍ زَمَنِيَّةٍ تَمُرُّ بِنَا هِي وَرَقَةٌ تَقْطُفُ مِنْ صَفَحَاتِ عُمْرِ الْمُؤْمن. وَالْآنَ يَنْقُصُ مِنْ عُمَرِنَا سَنَةً أُخْرَى. أَكْبَرُ نِعْمَةٍ أَنْعَمَ اللَّهُ بِهَا عَلَيْنَا هِي أَنَّهُ خَلَقَنَا مِنَ العَدَمِ وَإِنَّ إيمَانَنَا وَعِبَادَاتِنَا مُتَعَلِّقَةٌ بِوُجُودِنَا. وَأعْظَمُ دَلِيلٍ عَلَى وُجُودِنَا، أَلَا وَهُوَ نِعْمَةُ الْحَيَاةِ الَّتِي نُسَمِّيهَا الْعُمْر. أَكْرَمَ اللَّهُ إِيَّانَا بِعُمَرٍ فِيهَا الْخَيْرُ وَالْبَرَكَةُ وَالْعَافِيَة.
يَا إِخْوَتِي الْأفَاضِلِ،
مِنَ المُهِمِّ بِالنِّسْبَةِ إِلَيْنَا كَمُسْلِمِينَ، كَيْفَ نَغْتَنِمُ أَوْقَاتَنَا. إِنَّ الْقَمَرَ الَّذِي يُسْتَخْدَمُ لِتَنْظِيمِ الْوَقْتِ آيَةٌ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ كَمَا أَنَّ الشَّمْسَ آيَةٌ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ. وَأَهَمُّ شَيْءٍ هُوَ كَيْفِيَّةُ اسْتِخْدَامِنَا لِمَا وَهَبَنَا اللَّهُ تَعَالَى مِنْ نِعْمَةِ الزَّمَانِ وَأمَانَتِهِ وَكَيْفِيَّةُ صَرْفِنَا لِأَنْفَاسِنَا الْمَعْدُودَةِ وَلِأَيِّ غَرَضٍ نَصْرِفُهَا.
قَالَ اللهُ تَعَالَى ﴿فَاِذَا فَرَغْتَ فَانْصَبْ ❊ وَاِلىٰ رَبِّكَ فَارْغَبْ﴾[1] وَأَمَرَ بِذَلِكَ أَلَّا يَكُونَ فِي حَيَاتِنَا فَرَاغٌ. وَكَذَا يَأْمُرُنَا أَنْ نَغْتَنِمَ كُلَّ آنٍ لَنَا.
يَا أَيُّهَا الجَمَاعَةُ الْعَزِيزَة،
وَضَّحَ لَنَا النَّبِيُّ ﷺ بِإيجَازٍ مَا يَنْبَغِي عَلَيْنَا مُرَاعَاتُهُ فِي الْحَيَاةِ
مِنْ أُمُورٍ فَقَالَ:
«اِغْتَنِمْ خَمْسًا قَبْلَ خَمْسٍ: شَبَابَكَ قَبْلَ هَرَمِكَ، وَصِحَّتَكَ قَبْلَ سَقَمِكَ، وَغِنَاكَ قَبْلَ فَقْرِكَ، وَفَرَاغَكَ قَبْلَ شُغُلِكَ، وَحَيَاتَكَ قَبْلَ مَوْتِكَ»[2]
كَانَتِ الْمُجْتَمَعَاتُ وَالْأَقْوَامُ الْكَبِيرَةُ الَّتِي أَنْشَأَتْ حَضَاَرَاتٍ عَمِيقَةً، تَهْتَمُّ كَثِيرًا بِاغْتِنَامِ الْوَقْت. فَالتَّوْفِيقُ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ لَا يُمْكِنُ إِلَّا بِاسْتِخْدَامِ الْوَقْتِ جَيِّدًا. وَفِي الْقُرْآنِ سُورَةٌ يُقْسَمُ فِيهَا عَلَى الْوَقْتِ وَهِي سُورَةُ الْعَصْر.
يَقُولُ أحَدُ كِبَارِ الْمُسْلِمِينَ: “تَعَلَّمْتُ مَعْنَى سُورَةِ الْعَصْرِ مِنْ بَائِعِ ثَلْجٍ فِي السُّوق. كَانَ يَقُولُ “اِرْحَمُوا هَذَا الْعَبْدَ الَّذِي يَذُوبُ مَتَاعُهُ.” فَإِنَّ عُمْرَ الإِنْسَانِ مِثْلُ ثَلْجٍ يَذُوبُ دَائِمًا. فَإِذَا أَضَاعَهُ أَوْ صَرَفَهُ فِي غَيْرِ مَوْضِعِهِ يَكُونُ سَبَبًا لِخَسَارَتِهِ.”
يَا أَيِّهَا الْمُسْلِمُونَ الْأكَارِمَ،
يُحْتَفَلُ فِي الْبِلَادِ الَّتِي نَعِيشُ بِهَا بِرَأْسِ السَّنَةِ الْمِيلَاَدِيَّةِ كَتَقْليدٍ عُرْفِيٍّ. فَالنَّصَارَى يَحْتَفِلُونَ بِعِيدِ المِيلَادِ بِنَاءً عَلَى عَادَاتِهِمْ وَيُرَتِّبـُونَ الْمَلَاهِي لَهَا. هَذِهِ الْأَعْيَادُ لَيْسَتْ لَنَا فَلَا نَحْتَفِلُ بِهَا وَلَكِنَّا بِغَضِّ النَّظَرِ عَنْ الزَّمَنِ فَإِنّا نَبْقَى عَلَى مُعَامَلَةٍ حَسَنَةٍ مَعَ غَيْرِ الْمُسْلِمِينَ. فَإِنَّ أَصْحَابَ الْأَدْيَانِ الْمُخْتَلِفَةِ عَلَيْهِمْ أَنْ يَكُونُوا فِي عَلَاقَاتٍ مَدَنِيَّةٍ فِيمَا بَيْنَهُمْ. وَإِنَّ الْمُسْلِمَيْنِ هُمُ الْقُدْوَةُ فِي الْاِحْتِرَامِ وَالسِّيَادَة. جَعَلَنَا اللَّهُ مِمَّنْ يَعْرِفُ قِيمَةَ الْوَقْتِ وَمِنَ المَحْفُوظِينَ مِنْ شُرُورِ الزَّمَان. وَجَعَلَنَا مِنَ المُحْسِنِينَ قُدْوَةً لِجِيرَانِهِمْ. آمين
[1] سورة الانشراح:٧-٨
[2] الحاكم: المستدرك على الصحيحين، ج ٤، ص ٣٤١