خطبة

حقوق الوالدين

25.07.2024
Rahle

بِسْمِ اللّٰهِ الرَّحْمٰنِ الرَّحٖيمِ 

 وَقَضٰى رَبُّكَ اَلَّا تَعْبُدُٓوا اِلَّٓا اِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ اِحْسَاناًؕ اِمَّا يَبْلُغَنَّ عِنْدَكَ الْكِبَرَ اَحَدُهُمَٓا اَوْ كِلَاهُمَا فَلَا تَقُلْ لَهُمَٓا اُفٍّ وَلَا تَنْهَرْهُمَا وَقُلْ لَهُمَا قَوْلاً كَرٖيماً ﴿٢٣﴾

فقَالَ أَبُو الدَّرْدَاءِ سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺَ يَقُولُ:

« الْوَالِدُ أَوْسَطُ أَبْوَابِ الْجَنَّةِ، فَإِنْ شِئْتَ فَأَضِعْ ذَلِكَ الْبَابَ أَوِ احْفَظْهُ.»

أَيُّهَا الْإِخْوَةُ الْكِرَام،

الْإِنْسَانُ الَّذِي هُوَ مِنْ أَشْرَفِ الْمَخْلُوقَاتِ الَّتِي خَلَقَهَا اللَّهُ يَكُونُ فِي الدُّنْيَا عَاجِزًا غَيْرَ قَادِرٍ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ. خَلَقَ اللَّهُ قُلُوبَ الْأُمَّهَاتِ وَالْأٓبَاءِ مَلِيئَةً بِمَشَاعِرِ الْحَنَانِ وَالرَّحْمَةِ، وَيُرَبُّونَ أَوْلَادَهُمْ الْمُحْتَاجِين إلَيْهِمْ بِكُلِّ مَا يَسْتَطِيعُونَ مِنْ قُدْرَةِ. إِنَّهُمْ يَسْهَرُون اللَّيَالِي لِكَيْ يَعْتَنُوا وَيُرَبُّوا أَطْفَالَهُمْ، وَيَتَحَمَّلُون صُعُوبَاتٍ كَبِيرَةً لِأَجْلِ كَسْبِ الرِّزْقِ الْحَلَالِ. وَلَا شَكَّ فِي أَنَّ مَنْشَأَ رَحْمَةِ وَحَنَانِ الْأَبَوَيْنِ تُجَاهَ أَطْفَالِهِمْ هُوَ اللَّهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى. إِنَّ اسْمَ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ يَتَّجَلَيَانِ عَلَى الْأُمِّ وَالْأَبِ. وَالْحَمْدُ لِلَّهِ حَمْدًا لَا يُحْصَى عَلَى هَذِهِ النِّعْمَةِ.

إِخْوَتِيَ الْأَعِزَّاء،

الشُّعُورُ بِالْوَفَاءِ يُعْتَبَر أَهَمُّ الْقِيَمِ الْأَخْلَاقِيَّةِ عِنْدَ الْمُؤْمِنِ. إِنَّ الشُّعُورَ بِالْوَفَاءِ بِالْمَعْنَى الْوَجِيزِ هُوَ التَّقْدِيرُ. أَوَّلُ مَنْ نَشْعُرُ تُجَاهَهُ بِهَذَا الشُّعُورِ بِلَا شَكٍّ هُوَ اللَّهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى، الَّذِي خَلَقَنَا مِنَ الْعَدَمِ. وَبَعْدَه يَأْتِي النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الَّذِي هُوَ أَفْضَلُ قُدْوَةٍ لَنَا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ. وَبَعْد اللَّهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى وَنَبِيِّهِ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ إنَّ أُوْلَى النَّاسِ بِالْوَفَاءِ هُوَ الْأُمُّ وَالْأَبُ. لَكِنْ لِلْاَسَفِ مَعَ زِيَادَةِ الْأَنَانِيَة، وَأَنْ يَكُونَ كُلُّ شَخْصٍ بِمُفْرَدِهِ، قَدْ يَتَضَرَّرُ شُعُورُ الْأَطْفَالِ بِالْوَفَاءِ تُجَاهَ وَالِدَيْهِمْ. بَعْدَ أَنْ يَكْبُرَ كُلُّ فَرْدٍ مِنْ أَفْرَادِ الأُسْرَةِ، وَيُصْبِحَ مُعْتَمِدًا عَلَى نَفْسِهِ، قَدْ يَنْسَى الْإِنْسَانُ فِي هَذَا الْوَقْتِ وَالِدَيْهِ الَّذِين اهْتَمُّوا بِه وَرَاعُوهُ فِي أَشَدِّ حَالَاتِ الْعَجْزِ وَالضَّعْفِ، وَأَيْضًا قَدْ يَتْرُكُونَ الْأَوْلَادُ وَالِدَيْهِمْ بِمُفْرَدِهِمْ فِي حَالَةِ شَيْخُوخَتِهم. قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «رَغِمَ أَنْفُ، ثُمَّ رَغِمَ أَنْفُ، ثُمَّ رَغِمَ أَنْفُ»، قِيلَ: مَنْ يَا رَسُولَ اللهِ؟ قَالَ: «مَنْ أَدْرَكَ أَبَوَيْهِ عِنْدَ الْكِبَرِ، أَحَدهُمَا أَوْ كِلَيْهمَا فَلَمْ يَدْخُلِ الْجَنَّةَ».

أيُّها الإخْوَةُ الأفاضِل،

فِي دِينِنَا الْإِسْلَامِ، الَّذِي أُنْزِلَ رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ، تُعْتَبَرُ حُقُوقُ الْوَالِدَيْنِ مِنْ أَهَمِّ الْحُقُوقِ. يَقُولُ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ فِي الْقُرْانِ الْكَرِيمِ: ﴿وَقَضٰى رَبُّكَ اَلَّا تَعْبُدُٓوا اِلَّٓا اِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ اِحْسَاناًؕ اِمَّا يَبْلُغَنَّ عِنْدَكَ الْكِبَرَ اَحَدُهُمَٓا اَوْ كِلَاهُمَا فَلَا تَقُلْ لَهُمَٓا اُفٍّ وَلَا تَنْهَرْهُمَا وَقُلْ لَهُمَا قَوْلاً كَرٖيماً

يَأْمُرُنَا دِينُنَا بِأَمْرٍ وَاضِحٍ بِبِرِّ الوَالِدَيْنِ؛ إذَا وَصَلَا إلَى هَذَا السِّنِّ الَّذِي تَضْعُفُ فِيه قُوَاهُمَا، وَيَحْتَاجَانِ مِنْ اللُّطْفِ وَالإِحْسَانِ مَا هُوَ مَعْرُوفٌ. وَلَا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ، وَهَذَا أَدْنَى مَرَاتِبِ الْأَذَى. نَبَّهَ بِهِ عَلَى مَا سِوَاهُ، وَالْمَعْنَى لَا تُؤْذِهِمَا أَدْنَى أَذِيَّة. وَلَا تَزْجُرْهُمَا، بَلْ تَحَدَّثْ مَعَهُمْ بِلَفْظٍ يُحِبَّانَهُ، وَتَأَدَّبْ وَتَلَطُّفْ بِكَلامٍ لَيِّنٍ حَسَنٍ يَلَذّ عَلَى قُلُوبِهِمَا، وَتَطْمَئِنُّ بِهِ نُفُوسُهُمَا. يَجِبُ عَلَيْنَا أَنْ نَحْتَرِمَ آبَاءَنَا وَأُمَّهَاتِنَا، وَنَعْتَنِيَ بِهِمْ مَادِّيًّا وَمَعْنَوِيًّا، وَنَنَالَ رِضَاهُمْ، وَأنْ نُذَكِّرَهُمْ وَنَدْعُوَ لَهُمْ بَعْدَ وَفَاتِهِمْ. قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم: «الْوَالِدُ أَوْسَطُ أَبْوَابِ الْجَنَّةِ، فَإِنْ شِئْتَ فَأَضِعْ ذَلِكَ الْبَابَ أَوِ احْفَظْهُ.» وَأَكَّدَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِقَوْلِهِ هَذَا عَلَى أَنَّ رِضَا اللَّهِ تَعَالَى عَنَّا يَتَوَقَّفُ عَلَى سَلُوكِنا وَتَصَرُّفَاتِنَا الْإِيجَابِيَّةِ تُجَاهَ وَالِدَيْنَا.

إِخْوَتِيَ الْأَعِزَّاء،

فَلَا نُقَصِّرْ فِي اللُّطْفِ مَع وَالِدَيْنَا، وَفِي أَنْ نُسْعِدَهُمْ بِكَلِمَاتٍ طَيِّبَةٍ، وَنُقَابِلَهُمْ بِوَجْهٍ مُبْتَسِمٍ، وَلَا نُقَصِّرْ فِي أَنْ نَحْتَرِمَهُمْ. وَلْنُحَاوِلْ أنْ نَكْسِبَ قُلُوبَهُمْ الثَّمِينَة، وَنَنَالَ دُعَاءَهُمْ وَرِضَاهُمْ.

 فَلْنَنْظُرْ إِلَى هَذِهِ الْأَدْعِيَةِ عَلَى أَنَّهَا نِعْمَةٌ لَنَا فِي الدُّنْيَا، وَوَسِيلَةٌ لِلنَّجَاةِ فِي الْآخِرَةِ. عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللهُ عنه: سَأَلْتُ النبيَّ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ: «أيُّ العَمَلِ أحَبُّ إلى اللَّهِ؟ قالَ: الصَّلاةُ علَى وقْتِها، قالَ: ثُمَّ أيٌّ؟ قالَ: ثُمَّ برُّ الوالِدَيْنِ، قالَ: ثُمَّ أيٌّ؟ قالَ: الجِهادُ في سَبيلِ اللَّهِ، قالَ: حدَّثَني بهِنَّ، ولَوِ اسْتَزَدْتُهُ لَزادَنِي.»

نَسْأَلُ اللَّهَ أَنْ يَجْعَلَنَا مِنْ عِبَادِهِ الَّذِينَ يَقُومُونَ بِبِرِّ الوَالِدَيْنِ وَيَنَالُون رِضَا اللَّهِ عَنْ طَرِيقِ بِرِّهِمْ لِوَالِدَيْهِمْ. أَمِين.

خُطْبَة

 

PHP Code Snippets Powered By : XYZScripts.com